ترجمة – آية سيد
الإندبندنت
هناك نقص في الدراسات الإنسانية داخل جامعات العالم العربي, وغياب للنصوص التي ازدهرت في العصر الذهبي الذي كثيراً ما يجاهر به الإسلاميون.
أخبرني صديقين منذ بضعة ليالي على العشاء كيف إنهما استمتعا بمسرحية ريتشارد الثاني عندما عُرضت في رام الله. إنهما لم يفهما الكثير منها – تم أداء المسرحية باللغة العربية – لكنهما فهما التشابهات. كان ريتشارد هو التعسفي والفاسد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية, والجمهور أحب ذلك.
لعل إصرار الملك هنري على تطهير خطاياه في القدس كان مبالغاً فيه قليلاً, لكن يمكنك أن ترى المغزى. مثل المسرح في روسيا في عهد ستالين, يمكنك أن تفسر كل شيء. ومن هنا يأتي ضجري عندما تم إخباري في ذلك اليوم أن نجيب محفوظ هو “ديكنز المصري”.
أجبت على ذلك قائلاً إننا لدينا ديكنز بالفعل. لماذا ترغبون في نسخة مصرية؟ أنا أقر بأن رواية محفوظ زقاق المدق عملاً رائعاً, وبالطبع استحق جائزة نوبل التي حصل عليها. لكن ألا توجد بعض المخاطرة في أن الفن العربي (الأدب, والرسم, وحتى الأفلام) سقط في صفة المشتق؟ أنا لا أقصد هذا بطريقة وضيعة. على أحد حوائط منزلي في بيروت لدي نسخة رائعة من لوحة الصخور وأشجار الصنوبرلمصطفى فروخ, المرسومة في لبنان عام 1935. إنها تلتقط ببراعة الرذاذ الناعم للحرارة في قرية لبنانية والطريقة التي ترفع بها الأشجار أوراقها إلى السماء لكي تتنفس. ومع هذا كان يمكن أن تُرسم في فرنسا, على يد فنان فرنسي, في الثلاثينيات.
أفكر على الفور في الجزائر, الدولة الأكثر أصالة وإشتقاقاً من بين الدول – عظيمة في شجاعتها لتحرير نفسها من فرنسا, ومُقلدة لتلك القوة الإستعمارية الجبارة لأكثر من نصف قرن بعد حصولها على الإستقلال – التي يستطيع فنانوها الرائعون فقط أن يكتبوا عن مأساة دولتهم الأخيرة في الروايات.
لقد أطلقت حرب 1990-98 بين السلطات والإسلاميين العنان لعنف القطاعات البوسنية – أو السورية – مع هذا لا تزال الألغام السياسية المزروعة في أراضي هذه الدولة والتي يمكن كتابتها في الروايات فقط في منتهى الخطورة. أحد هذه الروايات تصف كيف تعامل الجيش الجزائري مع جندي خان رفاقه لصالح الأعداء. تم ربطه في شجره وإرسال زوجته وأطفاله إلى موقع الحدث حتى يروا الزوج والأب وهو يغطس في البنزين ويُحرق حياً. إن القصة حقيقية, لكن الكتاب الجزائريين يسردون هذه القصص على إنها روايات. هذه الرواية بالتحديد كُتبت بالفرنسية – لغة الطغاة السابقين في الجزائر – لكن كيف يمكن أن يكون الفن عبداً للحقيقة؟
أنا أتسائل ما مدى علاقة الإستعمار بالفن. بعد أن وصل نابليون إلى القاهرة بصحبة علمائه وعلماء المصريات, طُبعت بصمة الثقافة الفرنسية على النيل للأبد. في العقود التي تلت ذلك, طار الفنانون والكتاب المصريون إلى باريس وعادوا بثمار “الحضارة” الفرنسية؛ لقد اقتبسوا إلى ما لا نهاية أعمال راسين, وموليير وروسو. تبقى بعض الصحف باللغة الفرنسية في القاهرة حتى اليوم كحلم باهت عن هذه الفترة ومازالت مصر تتفاخر بعضويتها في المنظمة الدولية للفرنكوفونية, إلى جانب ألبانيا وبلغاريا ومنافسين مستبعدين آخرين. أحد الترجمات المبكرة لشكسبير إلى العربية المصرية كانت من ترجمة فرنسية للنص الأصلي.
اتجه الإمبرياليون البريطانيون الأوائل إلى تعلم لغات الشعوب التي حكموها. اتجه الفرنسيون إلى تعليم رعاياهم اللغة الفرنسية (وهي لغة بغضها نيلسون إلى أن أدرك أن هذه هي الطريقة التي يخاطب بها السيدة هاميلتون). الروس, على الرغم من إنهم لم يكن لديهم ممتلكات عربية, تعلموا العربية بإصرار – على نحو مثالي – لكن بدون الكثير من الحماس.
أصبح تولستوي مشهوراً في العالم العربي فقط في أوائل القرن العشرين. يتحدث الكثير من ضباط الجيش الروسي في سوريا اليوم اللغة العربية بطلاقة لكن القليل من السوريين يتحدثون الروسية. تدرب أحد أفضل المتحدثين الروس في الجيش السوري في أكاديمة موسكو العسكرية (وفي ما أصبحت أوكرانيا الآن) على الرغم من أن لغته الإنجليزية سليمة – لإنه لعب دور ياجو في مسرحية عطيلفي جامعة حلب. هذا الأسبوع, تحتفل L’OrientLittéraire, ملحق الكتب الشهري لصحيفة L’Orient-Le Jour اللبنانية الرائعة – التي تكون لغتها الفرنسية في بعض الأحيان ملكية جداً لدرجة أن القراء الفرنسيين يتجهون لقواميسهم لكي يفهموها – تحتفل بعيدها العاشر. لقد حملت إشادات من إصدارات مثل Le Point وFrankfurter AllgemeineZeitung, التي تشيد بها كونها “جسر ثقافي” بين الشرق والغرب. على صفحتها الأولى منذ بضعة أيام, حملت حواراً مع أندري ميكويل, وهو باحث فرنسي في الأدب العربي, الذي تحدث بصراحة عن مشكلة الإسلاميين في الشرق الأوسط. تستحق كلماته أن تُترجم:
“لقد أردت بشدة أن أقول لأبناء بلدي أن العرب لا يشبهون الصورة التي نمتلكها عنهم في أكثر الأحيان, خاصة خلال الجنون الحالي. لكن يجب أن أقول أيضاً إلى الشباب العرب إنهم سيحسنون صنعاً إذا أطلعوا عن قرب على النصوص الأساسية لثقافتهم حيثسيجدون البذور التي ستسمح لهم بالتواجد في العالم المعاصر, إلى جانب الآخرين. إن جهلهم يغذي تعصبهم.”
وهنا, أنا أخشى, ميكويل على حق. كما قال طريف الخالدي في كلمة حديثة وذكية في بيروت, يوجد نقص في الدراسات الإنسانية في جامعات الشرق الأوسط. يوجد غياب للنصوص التي ازدهرت في نفس العصر الذهبي للعالم العربي الذي يجاهر به الإسلاميون في كثير من الأحيان.
أنا لا أقترح أن العرب ينبغي عليهم تقليد الغرب – أنا أتذكر كيف أشار توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز إلى سي إن إن على إنها واحدة من المنافع “الثقافية” للعرب – لكن بالتأكيد من الممكن إستخدام أدبنا لصالحهم. ريتشادر الثاني مثال كلاسيكي. ماكبث ستكون مسرحية مزعجة للكثير من زعماء الشرق الأوسط. ربما لذلك نستطيع فقط الإنغماس في الأعمال العظيمة للأدب الغربي في لبنان العريقة التي تتواجد بها الديموقراطية, وإن كانت متضررة. لكنني أفترض إننا يجب أن نعترف بإنه في بلاد الطغاة, الأدب غير المشتق لن يزدهر, وخاصة عندما ندعم نحن نفس المستبدين الذين يحكمون هذه الشعوب و, على الرغم من أن ميكويل لم يقول هذا, الذين يبقون النصوص الأصلية لثقافتهم مقصورة على أفراد قلائل
ليست هناك تعليقات