أخبار الموقع

اهــــــــلا و سهــــــــلا بــــــكم فــــــي موقع مجلة منبر الفكر ... هنا منبر ختَم شهادةَ البقاءِ ببصمةٍ تحاكي شَكلَ الوعودِ، وفكرةٍ طوّت الخيالَ واستقرتْ في القلوبِ حقيقةً وصدقاً " اتصل بنا "

الـ"أنا".. وثنائية الجهل والمعرفة ... بقلم : د. مفيد مسُّوح



  الـ"أنا".. وثنائية الجهل والمعرفة 
  بقلم : د. مفيد مسُّوح  
  25/7/2016


حين نقلتني أمي بمساعدة طاقم التوليد من حالة الجنين إلى حالة الـ"شخص" ذي الهوية، بدأت رحلتي في الحياة مباشرة مع كمية من المتقابلات راحت تتكاثر دقيقة تلو الأخرى وموقفاً يطوي ما قبله وأصبحتُ "أنا".
بكيتُ فَسُرَّ جميع المحيطين بنا وضحكوا.. قالوا لأمي "مبروك".. فكانت المزدوجة الأولى في حياتي.. أنا أبكي وهم يضحكون!! أنا لا أعرف لماذا أبكي وهم يعرفون لماذا يضحكون.. عرضتْ عليّ والدتي ثدياً مليئاً بالطعام المقدّس وبعد عدة محاولات فاشلة نجحتْ في تحويل جوعي إلى شبعٍ فكانت المزدوجة الثانية في حياتي.. وقبل أن تظهر ثنائية الصحو والنوم تمثّلت الثالثة بتنظيفي إزالةً لما أحاط بجسدي من أوساخ.. وتتالت الأيام والأم والأب والآخرون منهمكون بتعريفي بالحياة من خلال ثنائياتها كي تتكون الـ"أنا" ويتأقلم جسدي وعقلي معها.. كان الحرص على تنظيم مسألة النور والظلام بما يتناسب وإشعاري بالفارق بين النهار والليل وما يصحُّ فعله في النهار وما يُترك لليل والهدوء الذي يرافقه بالمقارنة مع صخب النهار وتعويدي على البارد والساخن وعلى المأكل والمشرب وغير ذلك ينمو مع تزايد إدراكي وقبولي ما علّموني إياه فأصبح الـ"أنا" يعرف الفرق بين اليمين واليسار، الأسفل والأعلى، الداخل والخارج، الأبيض والأسود، المقبول واللامقبول، الصالح والطالح، الرضى والزعل.. الأب والأم وأنا وهي والأخ والأخت والبيت والجيران والأصدقاء إلى آخره.. حتى أصبح للـ"أنا" شخصية المُدرِك الذي في رأسه عقلٌ يتعامل مع الأشياء والظواهر بحنكة عوّدوني عليها فصرت أعرف الفرق بين من يعرف ومن لا يعرف فيسعى لأن يعرف.. وظهرت واحدة من أهم الثنائيات في حياة الـ"أنا" وهي الجهل والمعرفة.. وهذا بيت القصيد.
أهم ما يشعرنا بالنمو التراكمُ الذي يتحوّل بفضله الصغير إلى كبير عبر تحول القليل إلى كثير. وتنمو في الذهن ضرورة السّعي الجاد إلى مراكمة القليل كي يصبح كثيراً ضمن مفهوم التحول الكيفي نتيجة للتراكم الكمي. ويترافق هذا بمتعة تجعل النتيجة المرْضية حافزاً للمزيد من التراكم.
مع نمو الـ"أنا" تزايدت الثنائيات المتضادة في وحدتها وظهر الفرق بين القليل والكثير بصورٍ اتّسمت القلّة السلبية فيها بصفة الحاجة والعوز مقابل الاكتفاء عندما تكون الكثرة إيجابية، وبدأ إدراك ثنائيات المرض والصحّة، الشرّ والخير، الحرب والسلم، الفقر والغنى، الظلم والعدل، التمييز والمساواة، العبودية والحرية، التعاسة والسعادة، القبح والجمال إلى آخره.. وأصبحت صور النضال من أجل انتصار الضدّ الإيجابي مرافقة للحياة وأيامها ومعياراً للنقاء الإنساني.
* * * *
عندما يشبُّ الفتى الحريص على تكوين شخصيته ورفدها بالمعارف يتساءل: "من أنا"؟؟. تساؤلٌ مشروع. فهو شخصٌ يختلف عن غيره بدءاً من الإسم والانتماء والعنوان إلى الخوض في الامتدادات التي تلعب فيها المعرفة دوراً كبيراً بل رئيساً.
أذكر وأنا شابٌ يافع أنني اختلفت مع أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع لأنني نكرتُ وجود الـ"أنا". كنت معجباً إلى حدٍ كبير بنظرية النسبية لأنشتاين فأسقطتُها على مفهوم الـ"أنا" ارتباطاً مع الزمن وقلت بتباهٍ: "لا تستطيع يا أستاذ أن تقول "أنا" لأنك ما أن انتهيت من لفظ الكلمة حتى تصبح "أنا" آخر".
لم يردْ أحدٌ أن يسير معي في رحلتي لأثبت أن الـ"أنا" التي أعني هي العقل المتحول لحظة بلحظة. كنت أرى أن الجسد لا يشكل "أنا".. فالجسد لا يعبّر عن ذاته وإن فعل فبالحركة وهو أيضاً متغيرٌ كلّ لحظة. الـ"أنا" هي في الحقيقة ما تراكم في عقلي من معرفة ومن "برامج" و"معطيات" و"استنتاجات" و"مشاعر" و"ذوق" و"رؤى" و"آراء" و"مواقف" وهي مازالت تتعاظم إلى أن يأتي الوقت الذي يبدأ فيه التراجع بسبب عوامل الشيخوخة وفقدان الذاكرة.
القضية إذن معرفية في جملتها وتفصيلاتها. و"أنا" لفظة تشكل عنواناً لحالة من المعرفة تختلف بين شخص وآخر حسب حجم المعرفة وجدواها.
وفي حالاتٍ سيطرت (للأسف) في أيامنا تطغى "أنا"- التراكمُ الماليّ على "أنا"- التراكمِ المعرفيّ، وقد يُستخدم المال في تكوين "أنا" خلّبية تدّعي المعرفة وتختبىء وراء أقنعة مظهرية.. لأن الجميع يقرّون بأن الشخص العارف أقوى من الشخص الجاهل، وهذه كانت أهم ثنائية نَمَتِ الشّخصيةُ وفقَ سيرورتها، ولذا فقد اتُّفق على أن المعرفة قوة (سلاح!!). والقوة جدواها في استخدامها عبر الزمن لإنتاج ما نحتاجه.
وفي حين اتّخذتُ، في اختلافي آنذاك مع أستاذي، من مقولة ديكارت الشهيرة: "أنا أفكر إذن أنا موجود" برهاناً لربط الـ"أنا" باستخدام العقل، جابهني زميلٌ اتفق في آرائه مع الأستاذ إيّاه بقوله: "أنا أملك مالاً إذن أنا موجود". كان أهل ذاك الصبيّ ملاّك عقارات ومخازن وثروات وقد ربّوه على شاكلتهم بينما تربّيت "أنا" على شاكلة أهلي الذين يملكون المعرفة ولا يملكون المال، مع هوامشَ واسعةٍ للتطور. كانت القلّةُ والكثْرةُ تعني بالنسبة لي "المعرفة" وما تقدِّمه وما تفعله في تحديد صورة الـ"أنا" وكانت بالنسبة للصبيّ "المالَ" وما يوفِّره وما يشكِّله من عنصر قوة بأيدي مالكيه.
* * * *
وبما أن الحياة الحضارية كرّست الربط بين الزمن والعمل المُنجز خلاله والذي يُترجم إلى أقوى وسيلة للمقايضة: المال، الذي نحتاجه (وفق المفهوم الرأسمالي) لتقدير قيمة الأشياء والأفعال وبالتالي قيمة الجهد المصروف على القيام بها، فقد كانت القاعدة التي فُرض علينا قبولها لانعدام البديل، والتي تقول: الزمنُ مالٌ.. أي بالعاميّة: الوقتُ فلوسٌ!! وهي معروفة بالإنجليزية أيضاً: Time is money.
تُعلِّمنا قوانين الفيزياء أن القوة (أي الطاقة) هي الجهد المبذول لفعلٍ ما ارتباطاً بالزمن..
أي ( "/" هي إشارة القسمة):       القـوة = الجهد / الوقـت

فإذا استبدلنا القوة بالمعرفة، إذ هي كذلك، والوقت بالفلوس، إذ هكذا يريدونه، فإننا نصبح أمام قانون جديد يقول:
المعرفة = الجهد / الفلوس
أو بشكل آخر:                     الفلوس = الجهد / المعرفة

وبالتالي فإن نقصان المعرفة يزيد الفلوس. أي أن الجهد اللازم لعملٍ ما، يقوم به شخصٌ جاهلٌ سيدُرُّ مالاً أكثر مما يَنتج عن قيام شخصٍ ذي معرفة ببذل نفس الجهد لإنجاز نفس العمل!! وقيمة المال العظمى تكون باقتراب المعرفة من الصفر..
هي كذلك.. فاختاروا. 




لإرسال مقالاتكم و مشاركاتكم
يرجى الضغط هنا

ليست هناك تعليقات