تلقّى كاسترو أولى خسائره بعد تبوّء السلطة، حين صار الدفاع عن نظامه الجديد بوجه «ثورةٍ مضادة» تحدياً يومياً. تحوّل الأمنُ مذّاك إلى «رفيقه» الدائم. وأصبح معتاداً، فضلاً عن إسكات الخصوم، على تحويل النقاش في الشأن العام إلى «مونولوغات» طويلة.
لكن نتائج «مأسسة الثورة» المصاحبة لهذا «الشطط» لم تكن ضرراً خالصاً كما يُخيّل لبعض الناظرين إلى الخلف. حتى من يختزل تجربة كاسترو بأوصاف رومانسية يفتري أو يُقصّر في قراءتها. فالرجل كما يوصَف في كثير من المراجعات الأكاديمية، زاوج بين متطلبات الأيديولوجيا ومقتضيات الواقعية السياسية. وكوبا كانت في عهده أكثر من مجرد مخلب قط سوفياتي في الحديقة الخلفية لواشنطن. كان لها، مثلاً، استراتيجية افريقية متكاملة تقوم على أكتاف أكثر من 35.000 جندي تموضعوا في غير بقعة من القارة التي كانت تخوض معركة تحررٍ من الكولونيولية. هؤلاء حموا أنغولا من الاجتياح مثلاً٬ وهزموا جيش افريقيا الجنوبية العنصري مرتين (1975 و1988)، وقدّموا دعماً لثورة الجزائر جعل رئيسها الأول بعد الاستقلال يحط الرحال في هافانا إثر الاعتراف ببلاده أممياً بأيام (في أرشيف الاستخبارات الأميركية وثيقة تعود إلى العام 1964 تحذر من عوائد دعم كوبا لثورة الجزائر ومن تحوّل الأخيرة إلى رافعة لنفوذها الافريقي).
بدأ كاسترو حياته ابناً لرجل يملك 25 ألف هكتار يعمل فيها 400 موظّف. وهو قرر٬ بملء إرادته٬ بعد نضال سلمي ضد ديكتاتور مدعوم من واشنطن، «النزول طبقياً» ليقاتل في الأدغال إلى جانب الفقراء. لم يكُن يحتاج إلى الْتهام الأموال كما يُشيع كثر اليوم (مراسل «بي بي سي» في هافانا يروي أنه كان متقشفاً في حياته). وهو تابع حياته رفيقاً للكبار في حركة تحرر عالمثالثية صاعدة، يقودها أمثال نهرو وسوكارنو في آسيا وعبد الناصر ولومومبا في أفريقيا وتيتو في أوروبا والليندي في أميركا الجنوبية، ولم يكُن لاعباً هامشياً.
سيُكتب الكثير عن مسيرة «الكاماندانتي» وإرثه. سيُقال إنه أفقر شعبه. سيغضّ كثرٌ النظر عن دور أطول حصار في التاريخ الحديث في عملية الإفقار هذه، قصداً منهم أو جهلاً. وسيُرمى بموبقات ويُرشق باتهامات، بعضها مسرحيٌّ لا يخطر على بال (مجلة «فوربز» مثلاً نشرت مقالة بعد وفاته، تقول إنه كتب رسالة إلى الرئيس الأميركي روزفلت حين كان في الرابعة عشرة من عمره يطلب فيها عشرة دولارات وتعتبر ذلك إثباتاً على أنه شيوعي مُحتال، أي بالاسم فقط).
لكن الأكيد أن النظر إلى تجربة كاسترو، بنجاحاتها وإخفاقاتها، لا يصحّ من دون تحقيبٍ زمني يأخذ ظروف كل مرحلة بالحسبان. ليس نصف قرن من الزمن وجبة سريعة حتى تُلتهم باختزالات مُخلّة. لا يمكن مثلاً إغفال أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تعيشها بلاده اليوم ناتجة بجانب كبير منها من انهيار منظومة اشتراكية كاملة (قيمة واردات كوبا بين 1988 و1991 مثلاً، وهي سنوات انهيار المجموعة الاشتراكية، انخفضت من 8.1 إلى 2.2 مليار دولار).
تحتاج تجربة كاسترو بعد وفاته إلى تشريح منهجي، لا إلى قتلٍ معنوي مُتعمّد بعد الممات. هذه حاجة «عِلمية» قبل كل شيء، يُستحسن معها ركن العواطف جانباً. لكنّ ذلك لا يمنع اتخاذَ موقف من الرجل وتجربته. وما بين مروحةٍ من الخيارات المُتاحة، يمكن للمرء أن يميل يساراً، ليس قلباً فحسب، بل عقلاً ناقداً كذلك.
|
ليست هناك تعليقات