أخبار الموقع

اهــــــــلا و سهــــــــلا بــــــكم فــــــي موقع مجلة منبر الفكر ... هنا منبر ختَم شهادةَ البقاءِ ببصمةٍ تحاكي شَكلَ الوعودِ، وفكرةٍ طوّت الخيالَ واستقرتْ في القلوبِ حقيقةً وصدقاً " اتصل بنا "

وإلى تراب أقدامكم قال لي بورخس ... بقلم : جابر خليفة



 وإلى تراب أقدامكم قال لي بورخس 
  بقلم :  جابر خليفة جابر
  10/12/2016



ثمة من يقول أن بورخس شخصية مختلقة لا وجود لها، واستدلوا على قولهم بقرائن عديدة أرى أنها – القرائن – هي المختلقة وليس بورخس كشخص أو قاص عظيم من كتابة وقراءة، و لا شك عندي أن صاحب هذه الفرضية ليس أكثر من مستنسخ جديد لأفكار مرجليوث المستشرق الفرنسي المعروف أوائل القرن الماضي والتي تضمنتها مقالة له نشرت عام 1924وملخصها أن الشعر الجاهلي اختلق فيما بعد الإسلام ولا حقيقة له من قبل، والتي أخذها طه حسين (عميد الأدب العربي البصير) عنه بعد عام واحد فقط، وأعاد نشرها أو قل استنساخها – من دون بحثٍ أو تبصّرٍ - بمقالته الشهيرة وكتابه حول الأدب الجاهلي .
لاشك عندي أن كلتا الفرضيتين حول اختلاق الأدب الجاهلي وحول وهمية بورخس تفتقران إلى الصدق العلمي وتخبئان من الغرضية المموهة الكثير..
ليس هذا حسب، بل أنني أؤيد النظرية التي تقول بأن بورخس لم يمت، نعم أؤيد هذا، وأؤكد إنه ما زال حياً يقرأ !
فكلّ ما حدثَ أنّه غادر الغرب اللاتيني وفارق الكتابة فقط، ليسكن الشرق الذي أحبّ واغترف منه، شرق ألف ليلة وليلة، والسندباد البصري، وحي بن يقظان .. فقد رأيته شخصيا، نعم رأيت بورخس، واستطيع أن أقول، أنه رآني ولم يكن كما يقولون فاقداً لبصره، كان بصيراً !
ليسخرَ مني الكثيرون، أعني المقولبة مخيلاتهم، وليعودوا إلى موائدهم ويعاودوا تبادل الأخبار عن عناوين الكتب، وكتابها وألوان أغلفتها ودور الطبع وما شاكل من اهتمامات، لهم ذاك، ولا يعنين سوى أن أؤكد على رؤيتي لبورخس قبل أيام فقط، وهو يقف بين رفوف مكتبة صغيرة في شارع علي بن يقطين في البصرة القديمة، رأيته يلوح لي برواية لباولو كويلو( حاج كمبوستيلا) وكان صاحب المكتبة قد وضعها جانباً لشدة احتفائه بها.. لقد رأيته، صدقوني، وسمعته بأذنيّ يقرأ النسخة المترجمة من الرواية بعربية سليمة وواضحة، مثلما قرأناها نحن الأدباء والمثقفين العراقيين!
قال لي: على المرء أن يعرف كيف يقرأ، أكثر بكثير- يا صديقي- من أن يعرف كيف يكتب!
مد لي يده بالكتاب واتجه إلى التلفاز، إجلالاً له أخذت خطوات قلائل مبتعداً عنه لأجاور باب المكتبة، و، وبدأت القراءة كما علّمني!
الحاج الذي كتب عنه باولو كويلو روايته قطع مئات الأميال من جنوب فرنسا عبر جبال البيرانس إلى ضريح القديس سانت ياغو على ساحل الأطلسي شمال غرب اسبانيا، هناك قامت مملكة استورياس، ومنها، من صخرة بلايو تحديداً، وهو ملك استورياس الأول، انطلقت حروب الاسترداد، ولإثارة الحماسة الدينية وتعزيز روح القتال لجأ أحد ملوكها الى حيلة بارعة فروّج لرؤيا محتواها أن القديس سانت ياغو الميّت في القرن الأول للميلاد والمدفون في فلسطين قد بعثه الرب من جديد ليحارب مع المؤمنين الأسبان، وأنه كان يحضر المعارك ضد الأندلسيين الكفار ويشبعهم قتلاً بسيفه، فسمّوه بذبّاح الأندلسيين، وكانت صيحة الحرب عندهم : يا سانت ياغو! تماما كما نصيح نحن عند الحرب : يا الله، أو، الله أكبر.
أمرُّ بقراءتي على غرناطة سنة 1492 /حي البيازين/ سوق القيصرية / جبال البشرات / أتجنب النظر إلى فستقيات الحمراء، وأرى حشود المطرودين إلى البحر سنة 1609، سأرى جثثهم على ضفاف الدروب الطويلة، وأراها طافيةً بين أمواج المتوسط، وبينهما سأرى محاكم التفتيش وحرائق البشر والكتب، وبطريقتي البورخيسية الجديدة، والماكرة في القراءة، سأتابع في سنة 2010 تلك السلسلة البشرية التي شكلها أحفاد الموريسكيين وأصدقاؤهم في مدريد، والتي امتدت من مبنى الكنيس اليهودي وإلى كاتدرائية الكاثوليك الأم، وهم يطالبون خوان كارلوس ملك اسبانيا بالاعتذار لهم كما اعتذر لليهود، وكان الزمان سنة 2010 أيضا، حين كنت أتسمّر أمام الشاشة الصغيرة، وأنا أشاهد الروائي أمين معلوف وهو يتسلم جائزة اسبانيا الكبرى للأدب / جائزة أمير استورياس..! وتساءلت: لم هذا التوقيت، منح الجائزة في وقت الاحتجاجات الموريسكية ؟
علّمني بورخس كيف أقرأ ! جمعت بين تلك القراءات، جثث المطرودين وضحايا محاكم التفتيش، وصور المطالبة بالاعتذار وحفل منح الجائزة لمعلوف .. قرأتها ممتزجةً ومتفاعلة مع بعضها وقلت : لا إبداع من دون أخلاق! لا إبداع من دون قيمٍ ومبادئ !
كتب باولو كويلو رائعته عن حاج واحد مشى مئات الأميال من جبال البيرانس وحتى ساحل الأطلسي، وكان بورخس يشاهد على القنوات العراقية حشودا من الحجيج، عشرات آلاف الزوار العراقيين وهم يحجّون مشياً على الأقدام ولمئات الأميال من مختلف مدن العراق وقراه إلى ضريح الحسين المقدس، أبصرت مِخيال بورخس الهائل يشعّ بغرابة ودارت عيناه المبصرتان تمطرانني بالأسئلة، بل تمطرانني بالسهام ..
من منكم سيَكتبُ عن هؤلاء المشاة آلاف الروايات؟ ومتى؟
هل تنتظرون باولو كويلو، ليكتب بدلا عنكم، أم تنتظرون بورخس؟!
ولأني كثيرا ما تبجحت أمامه بشعر مظفر النواب:
((عراقي هواي وميزة فينا الهوى خبل))
سدد لي سهامه اللاذعة تلك، سددها لي أنا شخصياً، وربما قصد آخرين، ربما كان يستهدفكم أيضاً – أصدقائي الأدباء، لا ادري، لكنّي، وكأيّ عراقي لم يتعلم القراءة جيداً، سأتحمّل واحداً من سهامه فقط، ربما اثنين، لا أكثر، ولن أحجبَ عنكم الأخريات.




لإرسال مقالاتكم و مشاركاتكم
يرجى الضغط هنا

ليست هناك تعليقات