أخبار الموقع

اهــــــــلا و سهــــــــلا بــــــكم فــــــي موقع مجلة منبر الفكر ... هنا منبر ختَم شهادةَ البقاءِ ببصمةٍ تحاكي شَكلَ الوعودِ، وفكرةٍ طوّت الخيالَ واستقرتْ في القلوبِ حقيقةً وصدقاً " اتصل بنا "

قراءة في كتاب (ما وراء السياسة) للدكتور إدريس مقبول ... بقلم : مراد ليمام



 قراءة في كتاب (ما وراء السياسة) 
 للدكتور إدريس مقبول 
  بقلم : مراد ليمام
  18/12/2016




تعريف بالكتاب
الانطباع الأول و الأخير لدى قارئ الٳصدار الجديد للدكتور ٳدريس مقبول٬ هو الدهشة الكبرى التي لا تفارقه و تتجدد مع قراءة كل صفحة. فالكتاب يدخل قارئه في لذة البحث و متعة العثور على سر أسرار الفكر السياسي من خلال شعاب صفحاته التي تقترب من نصف ألف صفحة. و يتعلق الأمر هنا٬ ببسط العديد من المرتكزات القاعدية للخلفية السياسية عند المرحوم عبد السلام ياسين٬ في كتاب يخالف فيه الباحث من سبقه حينما يعطي المؤلف عنوان ما وراء السياسة٬ و كأنه ينذر بأن حفره في المتون الياسينية سيكون ثورة في حدود المفاهيم و المعرفيات في الدين و السياسة و الأخلاق...
و نلفث النظر بداية ٳلى أن تقسيم الكتاب ٳلى مقدمة و سبعة فصول فضلا عن الخاتمة٬ هو بمثابة ٳستراتيجيا يمكن للقارئ أن يرصد من خلالها كيفية اختراق دهاليز الفكر السياسي و أقبيته٬ ليصعد لاحقا ٳلى الآفاق الاستكشافية التي يعمل في خضمها المشروع السياسي-الأخلاقي للأستاذ مقبول. أما عن ٳطاره الذي يرسم بنيته الداخلية٬ فهو لوحة المقولات النظرية التي تعكس الصولة و التجوال الحر بين الدين و الفلسفة و التاريخ٬ بشكل يجعل القارئ يستبين علامات الفرادة و التميز الجامعة بين الكثافة و القدرة على الٳدهاش الصادم للفهم.
من هنا٬ أراني مجانبا للحقيقة حين أقول: كتاب ما وراء السياسة طريق رحب نتعلم فيه كيفية نقد تركة الفكر السياسي في لحظات عطالته الفكرية٬ كما أنه درب ندرك بواسطته لحظة الانعطاف النوعي في وعي مسألة التأصل الحر لصلاحية الدين الٳسلامي في تدبر كيفية التفكير و التصرف الأساسية٬ من أجل رسم خير مستند ٳلى سلطة الوحي الٳلهي.
قراءة في الكتاب
عندما تستهدف الكينونة العربية٬ و يتزلزل المسطح الذي جهزه المفكرون العرب للتصورات الدينية٬ و تعصف رياح التعصب و التطرف بأخلاق الدين السمحة٬ لا يجد المفكر المسلم من مسلك آخر غير استنطاق الظروف و السياقات التي كانت باعثا وراء القوى التدميرية و الاستبدادية المهيمنة آنيا.
فنحن نحيا اليوم أزمة في تدبير المعنى نتيجة محنة سوء فهم تخص الإنسان العربي المنشغل داخل صراع محموم بين الأنا و الآخر٬ و الذي أفرز تصورات متباينة للظروف التي تغمر حياتنا. و يبدو أن إعادة اكتشاف المعنى٬ بتخليصه مما علق به من الرياء السياسي٬ يستوجب إعادة تأصيل شرعية المفاهيم النظرية و العملية للدين الإسلامي بحسب نوع التوافقات و أشكال التواصل القائمة داخل المجتمع العربي.
ضمن هذا المنظور٬ يحتل فكر عبد السلام ياسين مكانة أساسية ضمن جيل المفكرين الإسلاميين الجدد٬ إذ يولي مسألة الدين ما تستحقه كمدخل لا غنى في قراءة التاريخ٬ و البحث عن المعنى الذي ينبغي منحه للإنسان٬ و المسؤولية التي لابد و أن يضطلع بها في وجوده. فالمنعطف الذي تحاول أن تؤسس له المدرسة الياسينية٬ ربما٬ يعود إلى الحالة السديمية و الكاوسية التي نعيشها في عالم لم يعد قط يهب المعنى تلقائيا٬ مادامت البنى الأساسية للأنظمة الاستبدادية تخاتل من أجل التكتم عنه٬ و تراوغ حتى يسود الجهل و الغموض.
و يمكن القول؛ إن أبحاث عبد السلام ياسين تلتف عبر مسالك مختلفة محاولة الوصل بين قطب الأخلاق من جهة٬ و بين مشاغل السياسة من جهة أخرى. و يمثل الاعتراف بتلازم القطبين٬ الرغبة في تجاوز العلم السياسي الغربي٬ و التحرر من أبعاده الوظائفية المبتورة الجذور. بيد أن التجاوز لا يمكن أن يحجب عنا الميتا-سياسة التي يستنبطها مفكرنا٬ و نعني بها القيم التي من شأنها أن تعيد تأسيس شكل جديد من الميتافزيقا الساعية إلى الكشف عن غائيات الوجود و الاجتماع البشري.
يبدو أن اقتران هذه الميتافزيقا بالدين الإسلامي يروم نحو مقام الإفصاح عن مشروعية الشرط الأخلاقي٬ بوصفه أساسا قاعديا يترتب عنه الشرط الأنطولوجي (وظيفة الإنسان المسلم)٬ و الشرط السياسي (شكل الحكم السياسي). و يستمد مدلول الميتافيزيقا مشروعيته الأنطولوجية و السياسية من طبيعة الفلسفة الدينية التي تشكل بموجبها ما يصطلح عبد السلام ياسين على تسميته بالمنهاج النبوي. لكن لابد من الإشارة إلى أن هذه الميتافزيقا تتميز بالطابع المكتوم المضمر بمختلف أعماله٬ مما يدعو إلى بذل الجهد لانتزاع عناصرها و الظفر بجملة المسائل الفلسفية و الدينية التي تتناول مفاهيم مركزية... و هي مفاهيم تتضافر ضمن سياق فكري لا يتيسر دائما ولوجه دون أشعة فحص نظرية.
فبدافع من الوعي الشقي للتلميذ٬ يتوجه الدكتور إدريس مقبول رأسا إلى مسألة هذه الميتافزيقا٬ متقصيا كل ما من شأنه تأسيس مشروع إصلاحي من داخل المدرسة الياسينية. فعلى خلفية المنهاج النبوي٬ و ضمن تصور ديني للفلسفة السياسية٬ سيتولى الأستاذ مقبول بيان تلازم الأخلاقي و السياسي في أساسيات التصور الياسيني٬ ليؤسس في كتابه الجديد (ما وراء السياسة) إمكان المصالحات الأخلاقية-السياسية لتخطي الأعطاب الهيكلية للأنظمة العربية الاستبدادية من جهة٬ و لنقد مرجع الفكر السياسي الإسلامي و الغربي من جهة أخرى.
فالباعث الأساسي على كتابة مؤلف (ما ورار السياسة) بالنسبة للأستاذ مقبول٬ هو التأشير بشكل مفصل على مسألة المعنى التي دشنها في كتابه السابق (سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين)٬ من خلال الوقوف على أبرز المفاصل السياسية المميزة لنظرية المنهاج النبوي. فلقد انفرد الكاتب بالبحث في قضايا السياسة و الأخلاق من منظور المنهاج الشمولي٬ حتى يقدم تفسيرا يتوافق بشكل أفضل مع الممارسة البشرية. و يبقى هذا المشروع٬ من وجهة نظرنا٬ الأكثر جدارة لمقاربة الفكر الأخلاقي عند المرحوم في سياق يشهد تشتت الفكر السياسي العربي. فما أحوجنا إلى مشروع يمثل هذه السعة في الاطلاع و الراهنية٬ و يعيد رصف بذور الفكر الديني٬ الذي يتأسس على القرآن و السنة و الخبرة التاريخية٬ بشكل يعيد لها انساجامها داخل إطار نظرية سياسية تفتح الواقع الإسلامي على المستحدثات و المخترعات التي لا تصدم قواطع الشرع. فكم نحن بحاجة إلى جرعة أخلاقية لتغذية الفكر السياسي الذي سقط في رحى التعصب و الدوغمائية.
و يمكن القول في ضوء ما قدمنا؛ إن كتاب (ما وراء السياسة) ينهض على قاعدة كبرى واضحة المعالم٬ و هي إثبات جدارة الأخلاق في بناء فكر سياسي من خلال الوعي بأن السبيل الأوحد إلى ذلك لا يتم إلا بترسيخ شريعة متكيفة مع الجديد الحادث٬ غير منغلقة على نفسها مكتفية بالنظر إلى الماضي. و هكذا٬ برز بالكتاب المقوم الرئيسي لتجديد النظر في التدبير للمصالح المحكومة بالأخلاق الإيمانية٬ باعتبارها قاعدة جوهرية للدين و أصلا مكينا للأحكام الدنيوية. من هنا٬ بدا لنا أن كتاب الأستاذ مقبول يشمل عناصر التجديد في مقاربة الفكر السياسي من وجهة نظر أخلاقية في اللحظة التي يوضح فيها الصلة الوطيدة بين المقاصد و المصالح. و بذلك٬ يكون قد وجد في المصلحة مصدرا تشريعيا خصبا يسعفه في تقديم فكر سياسي لازم لمواجهة نظيره الغربي دون الخروج عن مبادئ الشريعة و أحكامها القطعية. و يمكن أن نقر بالمنزلة الأثيرة التي حظيت بها المصلحة المرسلة في كتاب (ما وراء السياسة)٬ لأنها إحدى الأسس الرئيسية للإصلاح و المواكبة و توسيع آفاق الشريعة و مفهوم السياسة عند عبد السلام ياسين.
يتعين إذن الدمج بين الشرعية الأخلاقية و المشروعية السياسية بشكل يعيد إلى أذهاننا أبجديات العلم السياسي الإسلامي القائم على فكرة الخلافة. إن الالتقاء حول مفهوم هذه الأخيرة يعيد إلينا صورة الوجود المشترك التي ترسبت في المخيال الجماعي للمجتمع الإسلامي٬ انطلاقا من نبوءة تستوحي منجز تصوراتها من المنهاج النبوي الذي يقود نحو القطيعة مع تاريخ الاجتماع السياسي المتداول. فعلى منوال عبد السلام ياسين٬ يدافع إدريس مقبول عن فكرة نهاية التاريخ بإحلال إرادة الوجود المشترك من أجل نيل السعادة في المدينة الفاضلة. علما أن الانخراط في هذه الأخيرة لا يقوم على قوانين الإرغام و الإلزام٬ و لا قوانين الحتمية بالمعنى الخلدوني و الماركسي٬ بل تتأسس فيها الخلافة على نظام اتحادي إسلامي تتحد فيه الأمة رغم تعدد الدول. و يتحصل لدينا من هذا التصور٬ رغبة ياسين في التصدي لعطوبية الوضعية الإنسانية في عالم يسوده صراع البقاء٬ انطلاقا من خلافة تتجاوز الأهداف النفعية و الآداتية لمجتمعات السوق الغربية الراهنة.
هنا٬ تبرز أهمية المقاربة الياسينية بوصفها نقدا مزدوجا لمفهوم الدولة في التصورات الإسلامية التقليدية و الغربية الحديثة. فمن ناحية٬ يأتي كتاب إدريس مقبول لتفسير النقد المنهاجي للفكر السياسي الإسلامي بنفي كل من النزعة التجزيئية الرافضة للنسق٬ و النزعة الواقعية الداعية إلى قبول الواقع٬ و النزعة التبريرية الحاجبة للحقيقة٬ و النزعة العصبية القائمة على الحق الإلهي للملوك٬ فضلا عن النزعة الانتظارية المؤسسة على أمل القائد الملهم. و من ناحية أخرى٬ يدحض كتاب (ما وراء السياسة) مزاعم و زيف أفكار الحرية و المساواة الإنسانية بنزع الأقنعة عن نازعيها. و بعبارة أخرى٬ يعري المؤلف حقيقة مشاريع التنوير و التحديث و التحرر و ما أفرزته من أنظمة سياسية كبرى كهيمنة الليبيرالية٬ و مركزية الماركسية٬ و وحشية النازية... إذ ظل الإنسان غارقا وسط منظور انشطاري٬ و تجربة تخلو من سمو المعنى ليسقط في العدمية و العبثية... 
و على النقيض من ذلك٬ يوجه الكاتب دعوة صريحة إلى إحداث شروخ زلزالية في الفكر السياسي المسيطر آنيا٬ حتى تنبعث من تصدعاته أسس التغيير وفق نظرية المنهاج النبوي. و يعني هذا أن المصائر التي تقررت في عالم الأذهان قابلة للتغيير بفاعلية الإيمان و القرآن بوصفه وحيا باعثا لإرادة التحول الذاتية و الموضوعية.
و يبدو٬ بحسب تأويل الأستاذ مقبول٬ أن الإرهاصات الميتافيزيقية للمشروع السياسي عند ياسين تبحث بالدرجة الأولى في السندات الفلسفية-الأخلاقية لاختبار قدرة بعض المقولات الدينية كالمنهاج النبوي٬ و المقاصد٬ و المصلحة المرسلة٬ و الخلافة... في التصدي لبلاغة الواقع السياسي. و بتعبير أدق٬ الإجرائيات الميتافيزيقية للفلسفة السياسية عند مفكرنا هي الوقائع الحاسمة في تحديد مصير الإنسان.
من الواضح إذن أن الصرح السياسي للمدرسة الياسينية٬ في نسختها الجديدة عند الدكتور إدريس مقبول٬ لا تخلو من تصور ثيو-أخلاقي متعلق بنمط ما من الحياة الفردية و الجماعية٬ بشكل يمنح الفرد شعورا انتمائيا أصيلا تذوب فيه كل من الكينونة الفردية و الجماعية في إطار ما يصطلح على تسميته بدولة القرآن. ومن تبعات هذا التأليف الضخم٬ المناقض لدولة الفساد٬ يمكن استشعار إحساس جديد للوجود يتجاوز عرضية الكائن الإنساني ليهب معنى لحياة تستعيد التعددية و التماسك الأخلاقي و السياسي.
أخيرا٬ و دون أن ننتهي٬ لقد عن لنا و نحن في محنة السؤال و خضم البحث عن كيفية للتفكير بشكل أصيل داخل الفلسفة٬ و داخل التراث٬ و تحت هدى إمكانات العصر الحالي٬ أن نخوض غمار استقراء المدرسة الياسينية و استقصاء مغامرتها في البحث انطلاقا من قراءة كتاب (ما وراء السياسة) بوصفه توكيدا لمنهج بحثي مركب٬ و توجيها ثقافيا يتوسل الخلاص مما هو قائم. فالحس السليم يدفعنا دائما نحو الانفتاح على سياجات معرفية تذكرنا بأن التفكير ينبغي أن يفهم في تواشج مع الاختلاف. على هذا النحو وجب علينا وجوبا أخلاقيا الاستماع للآخر الذي نتفق معه اختلافيا. ولعل الدرس الذي أراد أن يؤسس له المرحوم ياسين٬ في إطار التلازم الوثيق بين السياسي و الأخلاقي٬ هو محاولة العيش داخل المختلف و معه٬ دون أن نذيبه فينا و نلغي اختلافه بوصفه تخلفا أو خروجا عن مقياس حقيقتنا الخاصة. 




لإرسال مقالاتكم و مشاركاتكم
يرجى الضغط هنا

ليست هناك تعليقات