وتقولُ لي، ما الذي أَغلقَ أُفْقَنَا وسرَّبَ وَقْتَنَا من ثُقوبِ يدَيْكْ؟
فَرَّ صَباحِيَ مِنْ يَدَيَّ، وكانَ زادِيَ نَسمَةً بِكْرًا على شُبَّاكِكَ الشّرقيِّ، وَوَجهِيَ طيْفَ رَبابَةٍ جَذْلى من صيفِنا الماضي، وقلبِيَ رَعْشَةَ نجمَةٍ خفراءَ في رمشَيْكْ.
فَمَا الَّذي سرقَ الشّارعَ من خطاكَ إليَّ، وعلّقَ حجَرَ الرَّصيفِ على الهَواءِ المُخاطيِّ، وبدّدَ عَنِّيَ ناظرَيْكْ؟
وتقولُ لي، ما الَّذي اختطفَ البَرْقَ من شِتاءاتِ عينَيْكْ؟
ما الَّذي كسَرَ صهيلَ نبضِكَ في وريدي، وبعثرَ حنَّاءَ أعراسِنا على دربِ صنعاءَ، فعبّأ صدرَكَ بالفَراغِ وأمامَكَ بالوَرَاءِ، وَمَحا وقعَ السَّنابِكِ في رَقْصِنَا البَدَوِيِّ، وفرّقَنَا في المَسافةِ بين ضلعَيْكْ؟
وأنا لا أقولُ شيئًا.
فالصّمتُ احتِشَادُ المَعاني على شَعْرِ عاصِفَةٍ. وَزَماني يجفُّ على لهَبِ الشِّعارِ؛ يَميني أضاعَتْ سبيلِيَ نحْوَ شِمالي، جُنوبِي شَمَالٌ. بوصَلتي تاهَتْ عن قُطبِها، وجِبالي سقطَتْ من جبيني وناحَتْ حماماتي في رمَادِ الأَيْكْ.
وتقولُ لي، أهديتُك لهفَتي ونبيذَ خدَّيَّ، وخرجْتُ إليْكَ سَرْوَةً لا نهائيّةً من ألفِ لَيْلةٍ، وجدَلْتُ حكايَتي من نَخْلِ بغدادَ، وفَمي من كَرَزِ البِقاعِ، وزرعْتُ أُغنيَتي على النِّيلِ، وحضنْتُكَ في الطَّريقِ إلى انتصارِكَ وانتصاري بين وادينا وربْوتَيْكْ.
فكيفَ فَرَرْتَ في كرِّكَ على خيْطِ عِطري، وأطفأتَ شمسَكَ في نهاري، وحبسْتَ عقلَكَ في عُلبةِ كوكا، وأقفلْتَ خلفِي عُقدةَ حاجبَيْكْ؟
وأنا لا أقولُ شيئًا.
فالصَّمْتُ مرآةُ الرَّزايا؛
طُيورٌ تسكنُ في أمِّ رأسي، وتقطِفُ عَيْنيَّ مِنّي. قبائلُنا تُدوِّرُ بعضَها في مصانِعِ الكرتونِ. قوَّادونَ يبيعونَ شُجَيْرات الغَارِ والصَّفصافِ الحزينِ إلى آلهة الشّبقِ المعلَّبِ في سوقِ النّخاسةِ، فوقَ مساحةِ اختلافِ التّأريخ عن التّأريخ. سرابٌ غزيرٌ يصبُّ في الخليجِ المشقَّقِ بالمَذاهِبِ. وشيخٌ يصرخُ من باطنِ الأرضِ:
"أَموتُ، مرَّةً أخرى، كُلَّما تشَظَّتْ مياهيَ العتيقةُ بين نَهْرَيْكْ".
وتقولُ لي، مسائِي تأكلُهُ المصابيحُ المُصابةُ بالبُهتانِ. فاذهَبْ بعيدًا، في رحلةِ الصَّعاليكِ، وابحَثْ في صَحاريَّ عنّي وعَنْ خُبزِ الفَقيرِ وعنْ صَوْتِ زنُّوبيا وعَنْ معصَمَيْكْ.
وتقولُ، حينَ تستَلُّ رموشَ جفنَيْكَ أسئلةً وشوْكًا، سيعودُ ظِلّيَ هَدبًا لعينَيْكْ.
وتقولُ، أَعودُ إلى حكايتي الأولى وأسيرُ في ألفِ حكايةٍ وحكايةٍ.
وسوف تلقاني ها هُنا، حين تخرجُ من صندوقِ صدرِكَ المختومِ بإِبهمَيْكْ.
وسوفَ يعودُ صباحي إليَّ، حينَما تقطِفُ رأْسَكَ من شَجَرِ الصَّخْرِ،
لتكتبَ فيه سُورَتَنا،
وتنقشَ صُورَتي،
وتحمِلَهُ
بين كفَّيْكْ.
|
ليست هناك تعليقات