أخبار الموقع

اهــــــــلا و سهــــــــلا بــــــكم فــــــي موقع مجلة منبر الفكر ... هنا منبر ختَم شهادةَ البقاءِ ببصمةٍ تحاكي شَكلَ الوعودِ، وفكرةٍ طوّت الخيالَ واستقرتْ في القلوبِ حقيقةً وصدقاً " اتصل بنا "

« شَقاوات » ... بقلم : فريد غانم



  « شَقاوات »
    تأليف :   فريد غانم    
   2/7/2017


« مجلة منبر الفكر »
  فريد غانم       2/7/2017


كُنّا في ذلك الدّهرِ ثلاثةً؛ ظلّي وقلبي وأنا.
لكنّ جَارَنا المُصابَ بالأخاديد أرسَلَنا، عندما كانَت الشَّمسُ تغطسُ خلفَ الجبَلِ، لقضاءِ مَهمّةٍ سِرِّيّةٍ.
عَتْمٌ غزيرٌ كان يهطلُ على طولِ الطّريقِ إلى بيتِ بائعِ المحظورِ، ووقتٌ مفترِسٌ يزحفُ على وقْعِ أقدامٍ بعيدةٍ.
ثلاثةً كُنّا، وكنتُ الصبيَّ المنذورَ لطقوسِ الرّجولة والحَنّاءِ والحُبِّ؛
وكان قلبي صغيرًا، في حجم كوز رمّانٍ على وَشَكِ القهقهة، وظِلّي جبانٌ يفرُّ منّي كلّما أَطلَّ الظَّلامُ.
زغَبٌ لا يُرى راح ينتصِبُ على عاموديَ الفقَريّ، حينما يسقطُ ظلُّ الأرضِ فوقَ الأرض. ثمَّ: "دُمْ، دُم، دُم"، راحَ يركضُ قلبي الصّغيرُ، بلا قدَمَيْن.

على أطرافِ الأزقّةِ كانت تمرُّ بنا شُرفاتٌ مُشرّعةٌ، يحومُ فيها هَمْسٌ عن الظُّلم والحُكّام، وجمراتُ سجائرَ مُهرّبةٌ مثلَ نُجومٍ تسقطُ من آخرِ الكَوْن. سُعالٌ خفيفٌ ينكثُ جسَدَ الصّمتِ، وحبلُ دخانٍ يصعدُ من مدخَنةٍ أسنانُها مِنَ قَارٍ. روائحُ نهيقٍ ونباحٍ وصهيلٍ تختلطُ بلونِ الرَّوث، وأصواتُ العَشاءِ الفقيرِ تتسرّبُ من فُتحاتِ النّوافذ، وتحوِّمُ في الفضاء.

كنّا ثلاثةً في ذلك الدَّهر.
ألتفِتُ. أحاولُ أنْ أفرَّ منّي فأرى قلبي يأخذُ شكلَ رعشةٍ: "دُم، دُم، دُم"، ويعودُ ظلّي إلى البيت، وحيدًا، باحثًا عن حفنةِ ضَوء.

لكنّها كانَت هناك؛ مصباحًا ينهمرُ ضوءًا برتقاليًّا فوقَ حوريّة.
عمرُها في طُولِ همْسَةٍ.
جديلَتاها تنهيدَتان شَقراوان.
شَعرُها غيمةٌ ماطرةٌ على خجَلٍ.
رموشُها حِرابٌ تحرُسُ  نبعتَيْن.
ثغرُها أُغنيةٌ.
خدَّاها شهوَتان.
وعيناها أوسعُ من ذاكرتي.

"كم مضى من الوقت؟" أسألُ الحجرَ الأخيرَ كلّما مررْتُ من هُناك.
"كم مضى من المَكانِ؟" يسأَلُني الحَجرُ الأخيرُ.
والآن، حين صارَ الثَّلجُ القاحلُ ينبتُ في جِلديَ المحروقِ وصارَ رأسي كيسَ طَحين؛
الآن، بعدَما مضى بائعُ المحظورِ وصارت حكاياتُ الشّتاء رمادًا باردًا، ما عادَ جارُنا المحروثِ بالأخاديد ينتظرُ عودَتي. لكنَّنا ما زِلنا نمُرُّ من هُناك، في مَهمّةٍ  لا تنتهي، تمتدُّ مِنَ البَدءِ إلى آخرِ الوقت.

هُناك كانَت وكنّا.
ينكسرُ الزّقاقَ على أقدام البيوتِ المُكعّبة، ويذوي المصباحُ البرتقاليّ هباءً منثورًا، ولَم يَبْقَ سِوانا؛ قلبِيَ المتعبَ وظلّيَ المُمزَّق وأنا الَّذي تحوَّلَت عظامي إلى كومةِ كِلْسٍ.
وها نحنُ نمرُّ، كلّ يومٍ، عندَ الحجَرِ المصقولِ بأكفِّ من ذَهَبوا، في الزَّقاق المَكسورِ، نُدْمي أناملَنا برماحِ رموشِها كُلَّما تسلَّقنا على شَجَرِ الخيالِ، لنقطفَ شهوةً مستحيلةً من شفتَيْها المسكونتَيْن بالضّباب، وحسرةً حُلوةً من عينَيْها المُعلَّقَتَيْن على بابٍ لم يعُدْ هناك، بخيطٍ يلوحُ في الذّاكرة.

‭‮

  اقرأ المزيد لـ فريد غانم


لإرسال مقالاتكم و مشاركاتكم
يرجى الضغط على كلمة  هنا


ليست هناك تعليقات