أخبار الموقع

اهــــــــلا و سهــــــــلا بــــــكم فــــــي موقع مجلة منبر الفكر ... هنا منبر ختَم شهادةَ البقاءِ ببصمةٍ تحاكي شَكلَ الوعودِ، وفكرةٍ طوّت الخيالَ واستقرتْ في القلوبِ حقيقةً وصدقاً " اتصل بنا "

« مخاوف من انتكاسة اقتصادية مع توجه المصارف المركزية لرفع الفائدة »



منذ أن أمسكت الأزمة المالية بتلابيب الاقتصاد العالمي أواخر عام 2008، فإن أحد أبرز الحلول التي تبنتها الدول الرأسمالية عالية التطور على ضفتي الأطلسي (الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية) تمثلت في خفض أسعار الفائدة. والهدف الرئيس من تلك الخطوة كان خفض سعر الإقراض للمستثمرين بهدف تشجيعهم على مزيد من الاقتراض من المصارف والمؤسسات المالية للاستثمار في مشاريع مختلفة، على أمل أن يسهم ذلك في خفض معدلات البطالة وزيادة معدلات التوظيف، ومن ثم توسيع نطاق الاستهلاك ومساعدة الاقتصاد الدولي على استعادة توازنه المفقود.

وبغض النظر عن تقييم تلك الخطوة بعد عقد من تطبيقها، وإلى أي مدى أفلحت وأين أخفقت في تحقيق مبتغاها؟ إلا أن فكرة الإبقاء على بيئة اقتراض رخيصة لنحو عشرة أعوام تقريبا مثّل تحديا كبيرا للمؤسسات المالية الدولية، بشكل أثر على النماذج التقليدية لكيفية ممارسة أعمال الادخار والإقراض المعتادة.

فبعد نحو عشر سنوات من أسعار الفائدة المنخفضة يبدو الاقتصاد العالمي في طريقه لإعادة النظر في تلك السياسة، إذ تصاعدت التحذيرات من قبل كثير من الخبراء المصرفيين والاقتصاديين المشهود لهم بالكفاءة في فهم آلية عمل النظام الاقتصادي العالمي، بضرورة استعداد المستثمرين لمرحلة جديدة تشهد ارتفاعا في تكلفة الإقراض.

وتبدو ملامح المرحلة الجديدة أكثر وضوحا في سياسات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي الأمريكي) مقارنة بأي بنك مركزي آخر.

ويقول لـ"الاقتصادية"، إن الدرس المستفاد من تقيم السياسات المالية الدولية في العقد الماضي يتمثل في أن زيادة المدخرات وضعف الاستثمار أدى إلى ضعف النمو العام، ودفع المصارف للحفاظ على سعر فائدة منخفض، ما أسهم بدوره في تواصل مشكلة الركود الاقتصادي.

ويضيف، "هذا المنطق يدفع الآن بالمجلس الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) وإن كان بدرجة أقل ويشوبها استحياء ملحوظ، لتبني خيار جديد يقوم على رفع أسعار الفائدة لإنهاء عصر (المال الرخيص)".

ويؤكد أن أسعار الفائدة المنخفضة أضرت بشدة بمعدلات الربحية لدى المصارف الدولية، وهذا أوجد بدوره تحديات جسيمة لكل من شركات التأمين وكذلك صناديق المعاشات وهما من اللاعبين الرئيسين في المنظومة الاقتصادية في البلدان الرأسمالية عالية التطور.

وعلى الرغم من أن التوجه الراهن بإنهاء عصر "الاقتراض الرخيص" ينال دعم وتأييد عدد من المؤسسات الاقتصادية الرائدة وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، إلا أن هذا لا ينفي أن التيار المعارض لتلك الفكرة لا يزال يتمتع بقوة ويهيمن على مراكز صنع القرار في عدد من كبرى المؤسسات الدولية.
ويأتي ماريو دراجي محافظ المصرف المركزي الأوروبي في مقدمة قوة الرفض الدولية التي تعادي تغيير السياسات المالية العالمية، حيث يرى أن الوقت لم يحن بعد وبشكل تام لعكس الدفة والسير في الاتجاه المعاكس.

الدكتورة لويزا باركلي أستاذة الاقتصاد الدولي لا تعارض رفع أسعار الفائدة لكنها تدعو إلى التريث والتمهل خشية ردود فعل عنيفة من الأسواق تؤدي إلى انتكاسة اقتصادية.

وتقول لـ"الاقتصادية"، "لا بد أن نسير في اتجاه التغيير تدريجيا وبحذر، فالأسواق لم تتماثل للشفاء بعد بشكل تام، ويمكن أن تكون ردود الفعل سواء من حيث الاتجاه أو القوة أو الحجم غير متوقعة".
وتحذر أيضا من أن أسواق المال أو أسواق المنتجات قد تصاب بحالة من الارتباك، إذا سارت كبرى البنوك المركزية في العالم في اتجاهات مختلفة بل متضاربة.

وتضيف، "إذا سار كل من المجلس الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا والبنك المركزي الكندي في اتجاه رفع الفائدة، بينما واصل المصرف المركزي الأوروبي والبنك المركزي الياباني سياسة أسعار الفائدة المنخفضة، فإننا سنكون في مواجهة مشكلة حقيقية، لأن الرسالة التي ستصل للأسواق والمستثمرين الدوليين متناقضة، وستكشف عن غياب رؤية عالمية موحدة بشأن السياسات المالية الدولية الواجب اتباعها للخروج من الوضع الاقتصادي القلق في الوقت الحالي، وضمان تحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستدامة".
وتوقعت أن ترتبك الأسواق بشكل واضح نتيجة هذا التخبط وستكون في الغالب قراءة رأس المال الدولي للوضع سلبية ومحبطة.

وفي الواقع فإن محافظ البنك المركزي الأوروبي يبدو حذرا من المضي قدما وتبني النهج الأمريكي برفع أسعار الفائدة لأسباب موضعية، فمعدلات التضخم الأوروبية لا تزال منخفضة، ما يؤشر على تواصل الركود الاقتصادي، كما أن الأجور والاستثمارات لا تزال ضعيفة ومكبوته وغير قادرة على الانطلاق والتحليق عاليا.

وعلى الرغم من أن الوضع في اليابان يتشابه إلى حد ما مع النموذج الأوروبي، إلا أنه أفضل فيما يتعلق بارتفاع أرباح الشركات اليابانية مقارنة بنظيرتها في القارة الأوروبية، مع هذا لم يدفعها ارتفاع الأرباح إلى زيادة معدلاتها الاستثمارية، وهو ما يعكس رؤية سلبية لا تزال سائدة لدى مجالس كبرى الشركات اليابانية بشأن المستقبل الاقتصادي، ويبدو محافظ البنك المركزي الياباني هاروهيكوكورودا أكثر مرونة واستعدادا للنظر في تغيير سياسات الفائدة في اليابان مقارنة بمحافظ المصرف المركزي الأوروبي.
بيد أن الدعوة الراهنة لرفع تكلفة الإقراض عالميا، على أمل أن يسهم ذلك في إنعاش الاقتصاد الدولي عبر رفع معدلات الربحية البنكية، يتطلب الأخذ في الاعتبار قضية المديونة العالمية في الحسبان، حيث إنه بلغ الدين العالمي (العام والخاص) نحو 217 تريليون دولار ليصل إلى نحو 327 في المائة من إجمالي الناتج الدولي.

ويرى الدكتور هاربلت دانلوب أستاذ الاقتصاد المقارن، أن خفض أسعار الفائدة لنحو عقد من الزمن كان السبب الرئيس في تفاقم مشكلة المديونية العالمية، عبر تشجيع الاقتصاديات الناشئة والمستهلكين على زيادة معدلات إقراضهم.

وأوضح أن رفع أسعار الفائدة حاليا وبشكل متعجل وسريع قد يفاقم المشكلة ويجعلها أكثر تعقيدا.
ويؤكد لـ"الاقتصادية"، أن دراسة حديثة للمعهد المالي الدولي في واشنطن كشفت أن إجمالي ديون البلدان النامية بلغ العام الماضي 56 تريليون دولار، أي ما يعادل 218 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لتلك البلدان مجتمعة، بزيادة خمس نقاط عن مستويات العام الماضي.

وذكر أنه في الصين ارتفعت مديونيتها إلى حدود 33 تريليون دولار، وخلال العام الماضي فقط ارتفعت ديون الاقتصاديات الناشئة بنحو 200 مليار دولار، وهذا أسرع معدل لنمو الديون منذ عام 2014، مع الأخذ في الاعتبار أن 70 في المائة من تلك الديون بالعملة الأمريكية.

وبين أن القضية تزداد تعقيدا إذا أخذ في الحسبان أن فوائد الديون واجبة السداد للقطاع الحكومي والخاص في الاقتصادات الناشئة سيبلغ 1.9 تريليون دولار في نهاية العام المقبل، وأن 15 في المائة من تلك الفوائد يجب سداده بالدولار.

وعلى هذا لا يجب من وجهة نظر الدكتور دانلوب أن يتم التعامل مع قضية رفع أسعار الفائدة من منظور ضيق، يرتبط فقط بالمصلحة الآنية للبلدان الرأسمالية عالية التطور، محذرا من أن عدم التعامل مع القضية بنظرة ذات طابع شمولي،

وحصر مفهوم الاقتصاد العالمي في مصلحة مجموعة الـ 7 فقط، قد ينجم عنه حالة من العجز في قدرة الصين والاقتصادات الناشئة والنامية - وإن كان بدرجات مختلفة - في سداد ما عليها من ديون، ما سيضعف إلى حد كبير من أن يمثل رفع سعر الفائدة حلا حقيقيا لمشكلات النمو الضعيف في الاقتصادات المتقدمة. ويشير إلى أن رفع أسعار الفائدة قد يحقق انتعاشا اقتصاديا في البلدان الرأسمالية عالية التطور، وقد يعزز من معدلات الاستثمار الداخلي وكذلك قد يحسن من معدلات الاستهلاك عبر رفع معدلات التوظيف،

لكن في المقابل سيحرم القطاعات الصناعية والخدمية في تلك الاقتصادات من زيادة نشاطها التجاري مع الأسواق النامية والصاعدة، إذ سينخفض معدل الاستثمار في تلك الاقتصادات لتراجع قدرتها على الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة، كما سينخفض معدل الاستهلاك الداخلي نتيجة التزامها بسداد فوائد الديون التي ستستهلك جزءا كبيرا ومتزايدا من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعني عمليا إفقار تلك الاقتصادات عبر خفض مستويات المعيشة للسكان المحليين.

ليست هناك تعليقات