أخبار الموقع

اهــــــــلا و سهــــــــلا بــــــكم فــــــي موقع مجلة منبر الفكر ... هنا منبر ختَم شهادةَ البقاءِ ببصمةٍ تحاكي شَكلَ الوعودِ، وفكرةٍ طوّت الخيالَ واستقرتْ في القلوبِ حقيقةً وصدقاً " اتصل بنا "

« دور المثقف في تنمية الوعي الاجتماعي » ... بقلم : عزالدين مبارك



 « دور المثقف في تنمية الوعي الاجتماعي »
    بقلم : عزالدين مبارك                               
   26/4/2017


«  مجلة منبر الفكر » عزالدين مبارك  تونس 26/4/2017
 

المثقف هو الكائن البشري الذي يتحكم في المعرفة الانسانية والمطلع على آليات التواصل مع المحيط والجريء في البوح بالحقيقة لجميع الناس دون خوف أو وجل وهو الذي لا يدخل في مساومات مع السلطة ولا يمكن ابتزازه بالمال والمناصب ليتخلى عن واجباته المقدسة وهو المتحدي على الدوام للواقع والمنتج للمعرفة الجمعية والابداع الفكري والمحرك للوعي في كل مكان وزمان.

وللوصول إلى مرتبة المثقف لا بد من المرور بمراحل عديدة فلا تكفي الدراسة الأكاديمية أو تبوأ منصب سياسي أو علمي أو إداري الحصول على صفة المثقف بل يجب أن تكون له رؤيا خاصة به ومواقف معينة تجعله منفردا عن الآخرين وله إطلاع شامل على الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في بلاده وفي سائر بلدان العالم.

فالمثقف هو سلطة قائمة بذاتها لأنه يتحكم في الوعي الاجتماعي ويؤثر فيه ويوجهه إلى غايات معينة وبذلك يصطدم مع السلط السياسية القائمة فتحاربه بشتى الطرق كمنع كتاباته عن الظهور للناس وتلفيق التهم له والتضييق عليه ويمكن في أحيان كثيرة نفيه للخارج أو رميه في غياهب السجون.

فالمثقف خاصة في البلدان المتخلفة ومنها البلدان العربية لا تعطي قيمة تذكر للمثقف المستقل عن السلطة وتحاربه إلى حد الشيطنة ونعته بالتطاول والجنون والسفسطة وتزاحمه بالدفع بأشباه المثقفين الموالين لها والمسبحين بحمدها والمتمعشين من موائدها للواجهة.

فالسلطة لا تريد أن يكون الشعب واعيا وعارفا بحقائق الأمور لأن ذلك يهز من عروشها ويهدد هيبتها وقدرتها على التسويف والخداع وتفتيت الوعي والمعرفة الصادقة حتى تؤبد في الحكم وتسيطر على الإرادة الشعبية بأخف الأضرار.

ولهذا فهي تحيط نفسها بالمثقفين الانتهازيين وتمهد لهم طريق النشر والمنابر الاعلامية ليبثوا بضاعتهم الكاسدة ويدافعوا عن الشيطان وولي نعمتهم بتزييف الواقع وتبليد الوعي الجمعي ومحاربة المثقفين الحقيقيين والماسكين بالجمر.

وقد عشنا في تونس بعد الانتفاضة نماذج عديدة من المثقفين الحقيقيين والذين كان النظام السابق قد طمرهم تحت تراب النسيان لكن المعدن الثمين لا يزيده ذلك إلا بريقا وعنفوانا. كما تأكد بعد ذلك من خلال الحراك الاجتماعي والتظاهرات في شتى المحطات النضالية الدور المهم والأساسي للمثقف العضوي والمتجذر في بيئته والملتصق بإرادة شعبه.

وقد رأينا كيف تغيرت وجهة بعض القوانين والقرارات تحت الضغط الشعبي وذلك من خلال الدفع المعنوي للمثقفين الحقيقيين والمناضلين الصامدين مما يبرز بصفة قاطعة أن المثقف هو السلطة الأساسية لتوجيه الوعي الاجتماعي نحو تحقيق الأهداف الشعبية وتمكين الناس من تبليغ أصواتهم وفرض تنازلات على الحاكم بدون استعمال القوة.

والمثقف الحقيقي هو المدافع الأول عن مدنية الدولة وحقوق الانسان والتداول السلمي على السلطة والمعارض الأول للحكم الاستبدادي والكاشف للفساد والمنبه للتجاوزات وهو بذلك القوة الضاربة في محاربة التخلف والارهاب والديكتاتورية.

والدول المتقدمة تجل مثقفيها وتحتفي بهم وتقدر أعمالهم واطروحاتهم فتهتدي بها في وضع سياساتها ولا تبسط إرادتها عليهم ولا تحولهم خدما وبوق دعاية لها مثلما تفعل الدول المتخلفة والسلط الفاسدة والتي ترتعش أمام كلمة حرة وصادقة وتخاف المثقف الذي لا يملك سلاحا ولا بوارج غير قلم رصاص.

ويمكن القول أننا خسرنا الكثير من الناحية الاقتصادية بعد الانتفاضة الشعبية بحيث أن النخب السياسية الحاكمة لم تكن مصيبة في اختياراتها ولم تتوفق في مشروعها الذي غلب عليه الغموض والتردد والسطحية والتجريب والانتهازية الحزبية لكننا في المقابل ربحنا وعيا شعبيا كان صائبا في أكثر المحطات النضالية على خلاف الساسة المتعصبين لأحزابهم والناكرين لوجود الدولة.

والمشكلة التي ستواجه المثقف هي مستوى الحرية الفكرية والابداعية المتاحة في قادم الأيام في ظل تنامي الارهاب من ناحية و وبروز السلطة الدائمة التي ستنتجها الانتخابات المرتقبة من ناحية أخرى.

فلا جدال أن سياسة تكميم الأفواه هي من أخطر أفعال السلطة القهرية والتي لا ترى الحقيقة إلا من خلال إرادتها الخاصة وقد تكثر المبررات المؤدية لذلك حتى نعود إلى زمن كبت الحريات والتضييق عليها بشتى الطرق فيكتوي المثقف بنارها فيترحم على الزمن المؤقت ويحن إليه.

*عز الدين مبارك كاتب ومحلل سياسي 

 اقرأالمزيد لـ عزالدين مبارك


لإرسال مقالاتكم و مشاركاتكم
يرجى الضغط على كلمة  هنا 

ليست هناك تعليقات